تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر للسيد محمود الشاهرودي
273
بحوث في علم الأصول
الطرفين معاً فيجب فيها الاحتياط وامتثال كلا الدليلين ، لأنه سواء التزم بأحدهما أو لم يلتزم يحصل علم إجمالي منجز ، ولا يكون الالتزام بأحدهما موجباً للعلم بالفراغ عن التكليف ولو تعبداً . وأما الصورة الثالثة - وهي ما إذا لم يكن الاحتياط مع احتمال التعيين في أحد الطرفين - فيجب فيها الأخذ بالدليل المحتمل تعيّنه حيث يقطع معه بالحجة على الحكم الواقعي ، ولا يجوز تركه إلى الأخذ بالآخر أو تركهما معاً إذ يتشكل على الثاني علم إجمالي بالمنجز الَّذي هو إما الحجية التعيينية أو الوجوب الطريقي . وعلى الأول ، علم إجمالي بحجية أحدهما وهو علم بالحجة المنجزة فيكون كالعلم بالواقع ، فلا يمكن إجراء البراءة عن مفاد محتمل التعيين لا من جهة الدوران بين الوجوب والحرمة وما قد يقال فيه من عدم جريان البراءة عن شيء منهما . فإنه لا دوران بينهما هنا لاحتمال كذب كلا الدليلين ، بل من جهة تشكل هذين العلمين الإجماليين المنجزين . كما أنه لا ينبغي أن يتوهم عدم منجزيّتهما بدعوى : أن المقام من موارد دوران الأمر بين المحذورين فلا يعقل التنجيز فيه ، لإمكان الموافقة القطعية عن طريق الالتزام بالطرف الَّذي يقطع بحجيته وتفريغ الذّمّة بالعمل على طبقه حين الالتزام به ، فما نحن فيه حاله حال دوران الأمر بين المحذورين قبل الفحص الَّذي يكون العلم الإجمالي فيه منجزاً ، وأثره دفع المكلف إلى الفحص عن الحجة على الحكم الشرعي وتحصيل الموافقة القطعية له ، فالنتيجة في هذه الصورة نتيجة التعيين . لا يقال : جعل الحجية التخييرية للمتعارضين الدائر مفادهما بين المحذورين لغو في نفسه ، لأن المكلف يطابق عمله مع أحدهما على كل حال . فإنه يقال : أن التنجيز المذكور تخيير في المسألة الأصولية وليس تخييراً في المسألة الفقهية كي يلغو جعله في موارد الدوران بين المحذورين ، إذ يترتب عليه الأثر في مثل الإفتاء وثبوت اللوازم .